سيد محمد طنطاوي
22
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والضمير في قوله - سبحانه - : * ( وجَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ ) * للسفينة ، أو للحادثة والقصة . أي : فأنجينا نوحا ومن ركب معه في السفينة ، وجعلناها أي هذه الحادثة عبرة وعظة للعالمين ، حيث شاهدوا سوء عاقبة الكفر والظلم على ممر الأيام والأعوام . قالوا : ومن مظاهر وجوه العبرة في قصة نجاة نوح ومن معه : أن السفينة التي حملتهم وأقلتهم بقيت مدة طويلة ، وهي مستقرة على جبل الجودي ، الذي يرى كثير من المؤرخين ان مكانه بشمال العراق ، بالقرب من مدينة الموصل . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة إبراهيم - عليه السلام - مع قومه ، فقال - تعالى - : * ( وإِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِه اعْبُدُوا اللَّه واتَّقُوه . . . ) * . ولفظ * ( إِبْراهِيمَ ) * منصوب بفعل مضمر . أي : واذكر - أيها المخاطب - إبراهيم - عليه السلام - وقت أن قال لقومه : اعبدوا اللَّه - تعالى - وحده ، وصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه * ( ذلِكُمْ ) * الذي أمرتكم به من العبادة والتقوى * ( خَيْرٌ لَكُمْ ) * من الشرك ، ومن كل شيء في هذه الحياة * ( إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * أي : إن كنتم من ذوى العلم والفهم بما هو خير وبما هو شر . فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - قد بدأ دعوته لقومه يأمرهم بإخلاص العبادة للَّه - تعالى - ، وبالخوف من عقابه ، ثم ثنى بتحبيب هذه الحقيقة إلى قلوبهم ، ببيان أن إيمانهم خير لهم ، ثم ثلث بتهييج عواطفهم نحو العلم النافع ، الذي يتنافى مع الجهل . . ثم بعد ذلك نفرهم من فساد ما هم عليه من باطل ، فقال كما حكى القرآن عنه : * ( إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه أَوْثاناً وتَخْلُقُونَ إِفْكاً . . . ) * . والأوثان : جمع وثن . وتطلق الأوثان على التماثيل والأصنام التي كانوا يصنعونها بأيديهم من الحجارة أو ما يشبهها ، ثم يعبدونها من دون اللَّه - تعالى - . وقوله : * ( وتَخْلُقُونَ إِفْكاً ) * أي : وتكذبون كذبا واضحا ، حيث سميتم هذه الأوثان آلهة ، مع أنها لا تضر ولا تنفع ، ولا تغنى عنكم ولا عن نفسها شيئا . أو يكون قوله * ( وتَخْلُقُونَ ) * بمعنى وتصنعون وتنحتون . أي : وتصنعون بأيديكم هذه الأوثان صنعا ، من أجل الإفك والكذب والانصراف عن كل ما هو حق إلى كل ما هو باطل . ثم بين لهم تفاهة هذه الأوثان فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّه ) * من أوثان وأصنام * ( لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً ) * أي : لا يملكون لكم شيئا من الرزق حتى ولو كان غاية في القلة . وما دام الأمر كذلك : * ( فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّه ) * - تعالى - وحده * ( الرِّزْقَ ) * الذي يكفيكم